عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

31

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ونظام المعيشة والحياة الاجتماعية والاقتصادية فيها . وهو بالتالي تعبير عن حضارات الأمم وطبائع الأفراد فيها لأن ما يضعه الأفراد من أنفسهم في غذائهم أظهر وأكثر وأوسع مما يصنعونه في مساكنهم واثاثهم . لذلك لا نبالغ إذا قلنا أن الغذاء أو الطعام أبين دلالة على العقول والآداب . إذن الغذاء وسيلة للكشف عن أخلاق الأمم ، فطعام الأمم المجبولة على التقشف والحياة البسيطة التي لا تعرف التعقيد غير طعام الأمم المسرفة في الترف ، المعقدة في حياتها المتأنقة في كافة مناحيها ولا سيما في ما يتعلق بشؤون معدتها وإرضاء شهواتها ولذاتها . والغذاء المختار اختيارا سليما ، والمعدّ اعدادا حسنا ، والمتناول بطريقة طبيعية يساعد الأفراد في تلك الأمة على زيادة الشعور بالسعادة والصحة في الحياة . لذلك كان الغذاء من شروط الحياة الأولية في كل أنحاء المعمورة . وفي كل أجيال البشر ، لأن الحياة لا تصان ولا تنمو إلا بالأكل ، وهذه الضرورة ناجمة عن طوارىء الجسم الذي لا يزال يفقد قسما من ثقله إما بإفراز الجلد ، وإما بتنفس الرئة ، لذا كان الطعام ضروريا لصيانة العناصر التي تتركب منها أدوات الجسم وهي الخلايا التي لا يمكنها أن تقوم بوظائفها المتعددة المختلفة إلا إذا تقوّت بالطعام . ولو كان البدن من جنس واحد لكان الذي يحتاج اليه انما هو نوع واحد من الغذاء ، لكنه لما كانت أجزاؤه مختلفة احتاج إلى أغذية مختلفة الأنواع والطعوم نستمدها من أصناف مختلفة من النباتات والحيوانات . وقد شغلت مسألة التغذية أذهان المفكرين ولا تزال تعتبر في مقدمة المسائل التي يهم الانسان حلها لمساسها بحياته الذاتية كما رأينا . لذا كتب فيها الكاتبون وأكثروا من الحديث عنها . وقد عرّف العلامة الصحيّ الأستاذ « فونسا جريف « 1 » » الأغذية بقوله : « انها مواد من أصل عضوي أو معدني تدخل إلى البنية أو تختص بها أو تكابد قبل امتصاصها أعمال القوى الهاضمة فتعوض فقد التغذية وتحقق القوة والتعادل الكيمياوي والطبيعي للبنية » . وقد رتب الباحثون أنواع الأغذية إلى رتب عديدة أرى أن لا مانع من سردها في

--> ( 1 ) من دائرة معارف القرن العشرين الفرنسية - ترجمة محمد فريد وجدي - المجلد السابع ، ص ( 12 ) .